رصدت صحيفة "ذا ناشيونال"، ردود فعل غاضبة في مصر إزاء إدراجها إلى جانب جيرانها المنكوبين بالحرب في تحذير جديد صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية يحث المواطنين الأمريكيين على مغادرة معظم مناطق الشرق الأوسط، وسط تصاعد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

 

وحث البيان الذي نُشر الاثنين، الأمريكيين على "المغادرة الآن" 14 دولة عربية، من بينها البحرين والمملكة العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر بسبب "مخاطر أمنية خطيرة".

 

وجاء ذلك بعد يومين من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران، مما دفع طهران للرد بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة على الدول المجاورة.

 

في حين أشارت التوصية الأمريكية إلى مستوى خطر أقل في مصر- المستوى 2، مما يتطلب من الأمريكيين "ممارسة المزيد من الحذر" - مقارنة بالدول الأخرى، إلا أنها أثارت مع ذلك إحباطًا عامًا في بلد يفتخر باستقراره النسبي وسط الاضطرابات الإقليمية.

 

استنكار شعبي وعدم تصديق


وأصدرت وزارة الخارجية المصرية أول تعليق حكومي على التحذير الأربعاء، قائلة إنها على اتصال مستمر مع الشركاء الغربيين لتوضيح الوضع الأمني في البلاد والتأكيد على أن مصر لا تزال مستقرة وآمنة.

 

وأضافت الوزارة أنها كثفت جهودها الدبلوماسية مع "الدول الغربية الصديقة والشريكة" في الأيام الأخيرة للتأكيد على أنه لا حاجة لتعديل إرشادات السفر الحالية بشأن مصر.

 

ووفقًا للبيان، فقد ساعدت هذه الجهود في الحفاظ على مستويات التحذير من السفر الحالية الصادرة عن عدة دول، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأيرلندا.

 

غضب بين رواد التواصل الاجتماعي

 

وعبر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي المصرية عن الغضب والاستغراب من قيام واشنطن بإدراج القاهرة على القائمة التحذيرية.

 

وجاء في منشور انتشر على نطاق واسع على موقع "إكس": "عندما تكون في مصر، لن تضطر أبدًا إلى النظر إلى السماء والتساؤل عن أي طائرة حربية تابعة لأي دولة تحلق في السماء، فجميع الطائرات الحربية التي تحلق هنا مصرية".

 

وبالنسبة للكثيرين، بدا القرار متعارضًا مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يونيو الماضي، عندما كشف النقاب عن حظر سفر موسع يستهدف 12 دولة، من بينها إيران واليمن والسودان، ولكنه استثنى مصر بشكل ملحوظ.

 

وفي ذلك الوقت، أشاد ترامب بمصر باعتبارها حليفًا أمريكيًا وثيقًا، والتي كانت، على حد تعبيره، "تسيطر على الأمور"، مقارنًا استقرار مصر بما وصفه بالإخفاقات الأمنية لدول أخرى في الشرق الأوسط.

 

ونقلت صحيفة "ذا ناشيونال" عن منظمي الرحلات السياحية وأصحاب الأعمال الثلاثاء، إنهم يخشون أن يؤدي التصنيف الجديد إلى إبعاد الزوار الذين تشتد الحاجة إليهم مع اقتراب موسم السياحة الشتوية.

 

وقال محمد ياسين، الذي يدير شركة سياحية بالقرب من هضبة الجيزة: "لقد تواصلت معنا غرف السياحة بشأن بروتوكول جديد للإبلاغ عن كل من عمليات الإلغاء والمجموعات السياحية العالقة". 

 

وأضاف: "ثمانون بالمائة من حجوزاتي للأشهر الثلاثة المقبلة قد تم حجزها بالفعل. ولا نتوقع أن نرى سياحًا أمريكيين مرة أخرى لبعض الوقت".

 

ردود فعل الأمريكيين المقيمين في مصر

 

زتراوحت ردود فعل عشرات الآلاف من المواطنين الأمريكيين المقيمين في مصر بين الدهشة والاستخفاف. وقالت جوليا ب، الباحثة الحاصلة على درجة الدكتوراه والتي أمضت خمس سنوات في القاهرة تدرس مقبرة قديمة بالقرب من أهرامات الجيزة، إنها سمعت لأول مرة عن التحذير من أقارب قلقين في الولايات المتحدة.

 

وأضافت: "تلقيت سلسلة من الرسائل وكان الجميع قلقين. في البداية قلت 'ما الذي تتحدثون عنه بحق الجحيم؟'، ثم بحثت في الأمر ورأيت إشعار وزارة الخارجية، وفي البداية ضحكت"

 

وتابعت: "كان شعوري الأولي أن الإدارة قد جمعت كل هذه الدول العربية في فئة واحدة رغم اختلاف ظروفها اختلافًا كبيرًا. لكن بالنسبة لي، لا أشعر بالتهديد في الوقت الراهن، بل أشعر بالأمان التام. والأهم من ذلك، أنني أخشى على أصدقائي وزملائي في البحرين ولبنان والعراق".

 

وأوضحت أنه في دائرة المغتربين التي تنتمي إليها، كان الناس "يشعرون بمزيد من الخطر أثناء الإبادة الجماعية في غزة" أكثر مما يشعرون به الآن.

 

رد فعل الحكومة والموالين للدولة


سعى المسؤولون إلى بثّ الهدوء. وأعلنت شركة مصر للطيران، الناقل الوطني لمصر، أنها ستردّ ثمن التذاكر أو تعيد حجزها دون غرامة للمسافرين المتضررين من استمرار اضطرابات المجال الجوي الإقليمي حتى 15 مارس، مشيرةً إلى "المرونة فيما يتعلق بالسفر في ظل هذه الظروف الاستثنائية".

 

وفي كلمة ألقاها في إفطار عسكري في وقت سابق من هذا الأسبوع، أكد (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي مجددًا التزام حكومته بالاستقرار الداخلي على الرغم من ارتفاع الأسعار وتزايد القلق في جميع أنحاء المنطقة.

 

وقال: "لا أحد يستطيع المساس بهذا البلد"، مضيفًا أن مصر ستواصل حماية أمنها ومنع الصراع الإقليمي "من الامتداد إلى أراضينا".

 

وعلى شاشات التلفزيون التابعة للدولة، ردد المعلقون المحليون تحديه. وأوضح الأكاديمي المقيم في الولايات المتحدة جابرييل سوما، وهو عضو في المجلس الاستشاري للرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، للإعلامي الموالي للحكومة أحمد موسى مساء الثلاثاء، أن الرأي السائد في واشنطن في الوقت الحالي هو أن جميع دول المنطقة في خطر الآن.

 

وأشار إلى الهجمات الإيرانية غير المسبوقة على البنية التحتية النفطية في الخليج والمناطق المدنية كسبب رئيس وراء قلق وزارة الخارجية على المواطنين الأمريكيين في المنطقة.

 

وجهة نظر واشنطن


مع ذلك، أكد المسؤولون في واشنطن أن هذه التحذيرات إجراء احترازي بحت. وقالت وزارة الخارجية إنها تنسق عمليات الإجلاء من دول الخليج التي توقفت فيها الرحلات الجوية التجارية.

 

وفي بيان صحفي صدر الثلاثاء، قالت وزارة الخارجية: "في الأيام القليلة الماضية، عاد أكثر من 9000 مواطن أمريكي سالمين من الشرق الأوسط، بما في ذلك أكثر من 300 من إسرائيل".

 

وأضافت: "لا تزال خيارات الطيران التجاري متاحة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ومصر، وتقوم الوزارة بمساعدة المواطنين الأمريكيين بنشاط في حجز تلك التذاكر".

 

وتشير التقديرات إلى أن ما بين نصف مليون ومليون مواطن أمريكي يعيشون في دول الشرق الأوسط. ولأن القانون الأمريكي لا يُلزم المواطنين الأمريكيين بتسجيل أماكن إقامتهم عند مغادرتهم البلاد، يصعب الحصول على أرقام دقيقة.

 

مخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية


علاوة على ذلك، يحذر منظمو الرحلات السياحية من أن حتى التراجع المؤقت في مستوى الثقة قد يضر بقطاع لا يزال يتعافى من سنوات من التراجع العالمي والتضخم.

 

ويعتمد قطاع السياحة في مصر، الذي يساهم بنحو عُشر الناتج المحلي الإجمالي، بشكل كبير على السياح الغربيين، وكان في السابق حساسًا للتحذيرات الأمنية.

 

وفي الوقت الراهن، تشير الحكومة إلى استمرار العمل كالمعتاد. ولم تصدر وزارة السياحة تعليًقً رسميًا بعد، لكن الشركات الخاصة تقول إنها تستعد لتداعيات قصيرة الأجل.

 

قال ياسين، صاحب شركة سياحية بالقرب من الجيزة: "المشكلة الرئيسة ليست في السلامة، بل في التصورات. فبمجرد أن يرى الناس اسم مصر مدرجًا في قائمة التحذيرات، يلغون رحلاتهم وينتظرون قليلاً قبل إعادة النظر فيها".

 

وبغض النظر عن إلغاءات السياحة، فقد بدأت بالفعل تداعيات الحرب في إيران تؤثر على الاقتصاد المصري مع انخفاض قيمة العملة المحلية وخروج موجة من رؤوس الأموال الأجنبية.

 

ومع ذلك، يسود شعور عام بالامتنان في القاهرة حاليًا، حيث يجد العديد من المصريين عزاءً في أن بلادهم، على الرغم من ارتفاع أسعار الغذاء فيها، لا تزال واحة من الهدوء النسبي وسط الاضطرابات الإقليمية.

https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/03/04/cairo-bristles-at-us-travel-alert-as-residents-and-officials-insist-egypt-remains-safe/